نمر ابي ديب


يعيش الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ومعه الولايات المتحدة الأمريكية سكرة نصر استثنائية، تعاطت فيها ومن خلالها “إدارة الرئيس ترامب” مع مجمل دول العالم على قاعدة الآحادية الاميركية، متجاوزةً في ذلك تأثير الصين الشعبية، تحديدًا “احتفال النصر” الّذي اكّد على وجود محورين عالميين عبّرت عنه الولايات المتحدة الاميركية بـ عبارة “لا نريد لهم موطئ قدم في النصف الأميركي من الكرة الأرضية”، هذا يشمل إلى جانب دول (فنزويلا كولومبيا كوبا) وغيرها “الشرق الأوسط الأميركي الجديد” ، بـ كامل مكوناته الإقليمية ونخص في الذّكر “إيران” التي تختصر بعد حزب الله وحماس جبهة المقاومة، الجبهة الّتي يعي ترامب جيّداً المعنى الاستراتيجي لـ سقوطها بالضربة القاضية، وهنا يجدر التساؤل عن ماهية الخطوات المعكوسة الّتي ينتهجها الرئيس “ترامب” في مقاربته الشاملة للملف الإيراني، يجدر التساؤل عن معنى المفاوضات مع طهران بعد سقوط الاسد واعتقال مادورو وما بينهما من أحداث في مقدمتها استشهاد سماحة السّيّد… بمعنى آخر هل يحجم الأميركي، عن اسقاط النظام الإيراني بـ”الضّربة القاضية”، إن توفرت على مستوى الجهوزية العسكرية والاحتواء الميداني سبل تمريرها في مراحل لا تحتمل التأويل، أو حتى الازدواجية، في الموقف السياسي والقرار العسكري ؟

السؤال الأكبر اليوم هل ينسجم قيام الشرق الأوسط الأميركي الجديد، مع “أنصاف الحلول الإقليمية”، في مرحلة انتظام عالمي جديد، قائم على محورين وأيضًا على كلام أميركي واضح رسم بنصف الكرة الارضية إطار المراحل المقبلة ومعها الشكل الهندسي للنظام العالمي الجديد في مجمل متدرّجاته السياسية، كما الأمنية، والعسكرية، والاقتصادية.

أحد أبرز مسلمات المرحلة، عجز الجانب الإيراني عن الدخول في مفاوضات “مباشرة أو حتى غير مباشرة”، تحكمها شروط أميركية ملزمة على أكثر من مستوى تبدأ بـ برنامج إيران النووي ولا تنتهي بملف الصواريخ البالستية، الأمر الّذي عبِّر عنه بوضوح “وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي حين أعلن أن “للمفاوضات مبادئها الخاصة… وأضاف يجب أن تجرى المفاوضات من موقع تكافئ” .

أوساط متابعة أكّدت، أن متغيّرات عسكرية حصلت في موازين “إيران الجوِّية”، وتلك ثابتة مؤكّدة لـ خيار الحرب وحق الدفاع، في مراحل ينتظر فيها الاميركي توفُّر فرصة توجيه الضربة العسكرية القاضية، الّتي فقدت في نظر كثيرين على الساحتين الإقليمية حتى الدولي عنصر المفاجئة، وسط متغيّرات عسكرية من جهة، ووضع المنطقة المتقلّب على صفيح وجودي ساخن.

مما لا شك فيه أن فقدان الولايات المتحدة، امكانية حصر مفاعيل “الانفلات العسكري”، الناجم عن ضربة أميركية أو ضربات محتملة وموجَّهة لإيران سبب أوّل في اعتماد الرئيس ترامب مبدأ الازدواجية السياسية في القراءة الاستراتيجية، كما في التقدير العسكري، فقد اظهرت نتائج المقاربات الاستخباراتية الأخيرة أن قدرات الرّد الإيراني الموجع مرتفعة ومؤثرة في حين أن أميركا في حربها المعلنة على إيران كما اسرائيل عادت إلى المربّع الأوّل، والدليل على ذلك، تجلى في سقوط أهداف استراتيجية، نتيجة التراجع الاميركي، أهداف أعلنت اسرائيل تحقيقها، ألا وهي النجاح في جعل طريق استهداف إيران سالكة في أي وقت، ثانيًا مطالب وشروط الرئيس “دونالد ترامب” المحصورة بعاملين : وقف تخصيب اليورانيوم، وتقييد الصواريخ البالستية، الّتي أظهرت في الايام الاخيرة لـ حرب لـ١٢ يومًا، فارق نوعي ذات أبعاد تدميرية، أفقدت اسرائيل قدرتها على الصمود والمواجهة.

الجدير بـ الذكر أن التراخي الأميركي على جبهة إيران والوقوف رجل بالبور وأخرى بالفلاحة، يؤكّد الخسارة الأميركية في بعديها “الجمهوري والديمقراطي” لكنه في الوقت نفسه، “لا يلغي فرضية الحرب” ، إذ يؤكّد السياق العام لسلوك الرئيس الأميركي أن العالم أمام “شخصية نادرة” ذات جوانب استثنائية غامضة، تضمر عكس ما تعلن، وهذا كافٍ لتظهير اجتهاد النوايا على مصراعيه، والوقوف على حقيقة واحدة عنوانها، الحرب الثانية مقبلة، بـ القرار والتوقيت الأميركي.

عدم جاهزية الجبهة الداخلية في اسرائيل يوحي ويؤكّد، أن الحدائق الخلفية لدول المواكبة الاقليمية والاحتضان، بما فيها القواعد الأميركية في المنطقة، “ضمن دائرة الاستهداف”، وأن الاستعراض العسكري الّذي يشهده “ساحل المتوسط” ، جزء لا يتجزأ من أرضية “الحرب المقبلة” ، وهو أيضًا جزء لا يتجزأ من موازين الانتشار العسكري الّتي تخوض على أساسه الولايات المتحدة الأميركية معركة “الشرق الأوسط الجديد” ، الخالي من حركات ودول المقاومة، وفي مقدمتها “إيران” ، وهنا تجدر الإشارة، إلى أن سقوط “الجمهورية الإسلامية الإيرانية”، حدث مبدّل في سياسات المنطقة، وأيضًا في مجمل أحكام وضوابط السياسات المحيطة والناظمة لحركة الصين، الّتي تخوض اليوم معركة “كسر الآحادية الأميركية”، من خلال التحكّم الاقتصادي، وهندسات السيطرة الحديثة.
في سياقٍ متّصل تجدر الإشارة إلى أن سقوط طهران يفتح باب الانزلاق العالمي إلى “حرب عالمية” كبرى، تبدأ بإسقاط مشاريع الهوية الشرق أوسطية الممانعة وقد لا تنتهي بزوال اسرائيل وموثِّراتها الاقليمية.

إنطلاقًا من ما تقدّم، تقف الولايات المتحدة الاميركية في تصعيدها المستمر تجاه إيران على تماس مباشر بين” حتمية الضربة العسكرية والتراجع الاستراتيجي” بـ”الاكراه”، ضمن “عاصفة عسكرية” أوراقها الميدانية مكشوفة، يغدوها أمل العودة بـ”أميركا عظيمة” مرة وأخرى، وتثبيت معادلة الآحادية الّتي باتت على تماس مع ازدواجية عالمية تقودها الصين وتحاول الولايات المتحدة الاميركية كسرها وتحجيمها بشتى الوسائل.

تعيش الولايات المتحدة الأمريكية” ازدواجية موقف”، “نابض بمفاعيل العجز الاستراتيجي، وحتمية “حرب القضاء على إيران”، وبين هذا وذاك وقت ضائع دولي وترقُّب يسبق العاصفة…

قد يعجبك أيضًا

Comments are closed.