مؤشرات الحرب على إيران و”القدرات الدفاعية”…حقائق وتسريبات!؟
جورج شاهين
تتلاحق التطورات المحيطة بتوقعات الحرب على إيران بما تحمله من أخبار سريعة عن حركة الاتصالات والمشاورات المكثفة ومعها سلسلة المبادرات المطروحة على أكثر من مستوى، وكل ذلك من اجل لجم حالات التحدي المتبادلة ومعها مجموعة السيناريوهات المتداولة الوهمية منها كما المنطقية ومعها التسريبات التي تحدثت عن ترسانة الأسلحة الصينية والروسية التي قيل انها باتت في تصرف القيادة الإيرانية بمعزل عن أي اعتراف او اعلان رسمي من الأطراف الثلاثة يؤكد او ينفي هذه المزاعم.
على هذه الخلفيات، تعددت القراءات بكل اشكالها التي تجري مقاربة لما هو محتمل لجهة توقيت العملية على صعوبة تقدير ساعة الصفر المحتملة لمثل هذه الضربة في شكلها ومضمونها، وربما وصولا الى أهدافها، في ظل التشكيك بمجموعة الأهداف التي لم يحددها بعد لا الرئيس الأميركي دونالد ترامب ولا أي من وزرائه او مساعديه بسوى تلك النقاط المتفرقة التي يمكن الإشارة اليها في ثلاثة مطالب بعناوين بالغة الدقة والاهمية. وهي:
ضرورة تجميد النشاط النووي ووقف نسبة التخصيب المسموح بها، من قبل الوكالات الأممية المعنية، عند ما هو قائم اليوم وعدم ترميم ما اصابته الضربات الأميركية في حزيران الماضي بعدد من المنشآت الكبرى التي استهدفتها.
مصير الصواريخ البالستية البعيدة المدى والتي يحتمل ان تحمل رؤوسا نووية في أي لحظة تقررها القيادة الإيرانية.
وقف كل اشكال الدعم المادي والعسكري المعتمدة في آلية التعاطي مع أذرعها خارج أراضيها في أكثر من بقعة من العالم ولا سيما في عمق الخليج العربي ما بين مضيقي باب المندب وهرمز على بوابتي بحري العرب والأحمر والعراق كما على شاطئ المتوسط في لبنان، هذا ان انتهى النفوذ الإيراني في كل من سوريا وفنزويلا بعد المتغيرات الكبرى فيهما.
والى هذه العناوين الثلاثة، لا يمكن تجاهل، ان هناك مطالب أخرى معقدة وصعبة يمكن ان تتفرع من كل منها بطريقة متدرجة، فلا يقف مسلسلها عند المطالب الأميركية بعدما انخرطت في المفاوضات اطراف وقوى دولية أخرى ولا سيما على مستوى الاتحاد الأوروبي نتيجة ما انتهت اليه المفاوضات الجارية بين طهران والثلاثية الأوروبية المانيا فرنسا وبريطانيا التي تدخلت في سير المفاوضات حول ملفها النووي منذ ما قبل اتفاق تموز 2015 المبرم مع الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما والذي جمد ترامب العمل به في ولايته الأولى العام 2018، من دون ان ننسى ان هذه المفاوضات استؤنفت بعد حرب الأيام الـ 12 في حزيران من العام الماضي دون أي نتيجة إيجابية، لا بل فان المواقف الإيرانية دفعت بالاتحاد الى فرض عقوبات جديدة في موازاة الأميركية منها، قبل ان ترد ايران عليها بالمثل.
وفي انتظار الجديد المحتمل بما يتصل باي ضربة عسكرية على إيران، يعترف المراقبون العسكريون بصعوبة تقدير ما سيكون عليه القرار الأميركي المحصور بما يريده الرئيس ترامب شخصيا في لحظته. فالتطورات الأخيرة مختلفة عن تلك التي شهدتها الايام الأولى من شهر كانون الثاني الماضي، وتحديدا عندما أعطيت مواعيد محتملة للضربة قبل ان يكتمل الحضور العسكري الكافي لمثل هذه العملية. وهو امر بات مختلفا اليوم، بعد ان تمركزت حاملة الطائرات وما يرافقها من بوارج وغواصات وطرادات وحاملات للصواريخ في مواقعها الأخيرة لتضيف قدرات عسكرية هائلة الى تلك القائمة في القواعد الأميركية في أكثر من منطقة في دول الجوار الإيراني وهي تنتظر الامر بالطلقة الأولى لتندلع الحرب المحكي عنها.
وفي مواجهة الحديث عن القدرات الأميركية لا يمكن تجاهل ما يمكن ان يكون لدى إيران من وسائل الدفاع او المبادرة الى الرد على الهجوم بمثله. فكل المعلومات الموثقة التي لا نقاش فيها، والتي تحدثت عنها التجارب السابقة تتحدث عن القدرة الصاروخية البعيدة المدى بأنواعها المتمايزة التي تمكنت من تجاوز وسائل الدفاع الاسرائيلية وحليفاتها المتقدمة التي واجهتها في حرب حزيران الماضي. ولا معلومات لدى أي من الأجهزة الاستخبارية الدولية أي معلومات دقيقة عن أي تطور قد ادخل اليها بطريقة قد تثير أي مفاجأة يمكن ان تؤثر في موازين القوى في أي تجربة مقبلة.
على هذه الخلفيات قللت المراجع المراقبة من حجم واهمية الروايات التي ساقها البعض عن نوعية الدعم الصيني والروسي لإيران في أي مجال يمكن ان يحصن او يزيد من قدراتها الدفاعية للرد على أي ضربة أميركية. وأوضح أحد كبار الخبراء العسكريين المتخصصين بمراقبة ما بلغته الصناعات الصينية والروسية العسكرية المتقدمة، ان الحديث عن امكان وضع أي جزء او نوع من التكنولوجيا العسكرية المتقدمة بتصرف القيادة الإيرانية مستبعد الى ابعد الحدود ان لم يكن مستحيلا. لافتا بطريقة – رغب بالا يتصور أحد على أنها استخفاف بما بلغته هاتين الدولتين من تقدم – أنه ليس في الامر ما يدعو الى أي مفاجأة، فليس هناك في العالم أي دولة يمكن ان تقدم أي خدمة عسكرية تميزها عن غيرها الى أي دولة او قوة أخرى أيا كان شكل العلاقة بينهما. وهو منطق تعتمده الدول الكبرى ولا تخجل من التأكيد عليه، ذلك ان هناك فوارق بأجيال متعددة بين ما تملكه أي دولة كبرى وما تصدره الى أي دولة حليفة على كل المستويات وخصوصا في مجالات الصواريخ والطيران، وما بات أخطر منهما سوية في الحروب الجديدة عندما يتعلق الامر بوسائل التشويش وشل قدرات العدو التكنولوجية وتجميد العمل بوسائل الرصد والدفاع الجوي الى درجة تعطيلها وعزلها عدا عن القدرة على ابعادها عن أهدافها واقتيادها الى حيث لا فائدة نهائية منها.
وختاما يبقى الحديث عن موعد الحرب على طهران سرا عميقا لا يمكن تقديره من قبل أي كان، وبات من الضروري وقف المناداة او التنظير بساعة الصفر. ذلك ان تلك اللحظة عندما تحددها واشنطن، تكون قد بلغت مرحلة من الثقة بالقدرة على شل قدرات العدو لفترة طويلة وقد بلغت مرحلة الخرق الاستخباري ذروتها. وخصوصا ان كانت الأهداف المختارة غامضة الى درجة لا يمكن احتسابها من قبله وهو امر خبرته الحروب السريعة والخاطفة التي يمكن ان تحقق أهدافها من أولى العمليات العسكرية، أيا كانت ردود الفعل التي تليها. فالحرب الناجحة هي تلك التي تحقق أهدافها من اللحظات الصاعقة الأولى، ومهما طالت العمليات العسكرية التي تليها لن تقدم ولن تؤخر في نتائجها الحتمية. والى تلك اللحظة قد تصح بعض نظريات وتسريبات المنجمين ان استعرضوا كل الاحتمالات التي لا بد من أن تترجم الحرب واحدة منها.






