ريتا فريد

في التسعينات، أطلّ على الشاشة شاب وسيم، موهوب، يشبهنا ويستحضر أحلامنا الصغيرة. يوم كانت الحياة أبسط، وأقلّ قسوة.
في سلسلة “طالبين القرب” التي عُرضت على شاشة “المؤسسة اللبنانية للإرسال”، من كتابة الراحل مروان نجار، لم يلمع اسم يورغو شلهوب كنجمٍ فحسب. بل ترسّخ كوجهٍ مألوفٍ في كلّ بيت، وانطبع في وجدان جيل كامل.
جيل كان ينتظر الحلقات الأسبوعية بشغف. يضحك بلا تكلّف. ويؤمن بأنّ الحب يمكن أن يكون بريئاً وبسيطاً كما صوّرته له أمسيات الأحد في تلك الأيام.
الجمهور أحبّ يورغو لأنه كان قريباً منهم. بعفويته، بخفة ظلّه، وبأدواره التي بدت كأنها تنبض من بيوتنا لا من استوديوهات التصوير.
في تلك الفترة، ثنائيّته مع النجمة فيفيان أنطونيوس صنعت حالة خاصة، مثل البدايات الجميلة. هكذا انطبعت صورتهما في وجداننا. ليس كشخصيات تلفزيونية، بل كذكرى دافئة. قطعة محفوظة في أرشيف القلب.

واليوم، يطلّ يورغو بدور “فؤاد” في مسلسل “المحافظة 15″، من كتابة وبطولة كارين رزق الله، وإخراج سمير حبشي، وإنتاج مروى غروب، بالإشتراك مع عدد من الفنانين اللبنانيين والسورييين، من بينهم ميشال حوراني، أنطوانيت عقيقي، نزيه يوسف، لمى لوند، سوسن أبو عفار، حسن خليل وعدنان أبو الشامات وغيرهم. وفي هذا العمل أيضاً، يجتمع يورغو من جديد بفيفيان أنطونيوس، كأنّ الزمن دار دورته، في لقاء يحمل شيئاً من حنين التسعينات.
“فؤاد” هو شخصية محمّلة بكل ألم سنوات الغياب. شاب اختفى قبل 28 عاماً خلال ممارسته هواية الغطس في عمشيت. ظنّت عائلته أنه توفّي، حتى تبيّن أنه كان معتقلاً في سجن صيدنايا، وخرج مع سقوط نظام الأسد.
هنا، يضع يورغو كل قدراته التمثيلية أمام الجمهور.
يجسّد الألم النفسي بصدق موجع. ترتجف عيناه من أي صوت مفاجئ. ينكمش جسده إذا اقترب منه أحد. لا يحتمل أن يُلمَس. لا يحتمل الضجيج. يختزن الرعب في نظرة، والتيه في صمت، والوجع في تنهيدة.
يبكينا… ليس بالصراخ، بل بالانكسار.
نشعر أنه أمامنا فعلاً، فنخفض صوتنا. نخاف أن نقترب منه أكثر. هذا النوع من الأداء لا يُمثَّل… بل يُعاش.
هنا تكمن المفارقة.
ذاكرتنا عن يورغو في التسعينات هي ذاكرة ضحكة. حب بريء. امتداد لأيامنا الجميلة.
أما اليوم، فهو يعيد كتابة حضوره في ذاكرتنا بصورة أخرى: شخصية محمّلة بوجعٍ ثقيل، تجبرنا على أن ننظر في عيون الألم.
ورغم تعدد أدواره وإشراقه المستمر على الشاشة طوال السنوات، يظل هذا الدور مختلفاً تماماً.
بين الأمس واليوم، لم يخسر يورغو شلهوب مكانته في وجداننا.
بل كبر معنا… كما كبرنا نحن.
انتقل من صورة الحلم الجميل، إلى صورة الحقيقة القاسية.
ومن بساطة البدايات… إلى عمق التجربة.
وهكذا، تبقى الذاكرة حية.
ذاكرة التسعينات… وذاكرة اليوم.

*مسلسل “المحافظة 15”: يُعرض المسلسل يومياً عند التاسعة والنصف مساءً على شاشة MTV طيلة شهر رمضان المبارك.

قد يعجبك أيضًا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *