برّي ينّزع مُثلّث التفجير.. رعد قريباً في بعبدا؟
محمّد حميّة
مُنّذ اتخاذ مجلس الوزراء القرارين الشهيرين في 5 و7 آب والعلاقة بين الرئيس جوزاف عون وحزب الله تمُرّ بفترة مدٍ وجزر، بعدما أُثقِلَت طريق حارة حريك – بعبدا بالملفات الساخنة وبوِزر الضغوط الخارجية والتحولات والتجاذبات والإقليمية مع توغُّل لاعبين جدد بين خطوط الإشتباك السياسية الصامتة بين الرئاسة والمقاومة من جهة وداخل “البيت الشيعي” من جهة ثانية وذلك ضمن خطة ممنهجة لتحقيق الهدف العام نزع سلاح حزب الله:
*تفعيل الضغوط الخارجية على رئيس الجمهورية للدفع باتجاه أكثر حسماً وحزماً مع سلاح حزب الله في مرحتله الثانية، وذلك عبر تحرك “لوبي لبناني” في واشنطن وصفها عون بحملة “بخ السموم” تهدف لملاقاة جبهة الضغط الداخلي والحرب الإسرائيلية.
*تعميق الإختلاف بين الرئيس و”الحزب” وتحويله إلى خلاف وإسقاطه على العلاقة بين الجيش اللبناني وبيئة المقاومة لزرع بذور الفتنة وتصوير المقاومة على أنها في مواجهة الدولة ونقلت الإشتباك الى الداخل.
*خلق شرِخ في العلاقة بين حركة أمل وحزب الله ونقله الى القاعدة والجمهور عبر تصوير الرئيس نبيه بري كأنه منفصل عن سياسات الحزب و”لبننة” خياراته مقابل إقليمية خيارات “الحزب”.
لاشك أن ملف السلاح وفق مطلعين يضغط على العلاقة بين الرئاسة والمقاومة ووَلّد توتراً بعد قرارات آب الشهيرة الى حد القطيعة لولا تدارك الموقف بتصحيح جزئي في قرارات 5 أيلول، لكن العلاقة ما لبثت أن تعرّضت لنكسة بعد تعيين مفاوض مدني في لجنة “الميكانيزم” (سميون كرم) بقرارٍ رئاسي، حاول الحزب غض الطرف وإن رفع سقف الرفض، فيما حاول الرئيس بري “دوزنة موقفه” لكي لا يخلق سجالاً مع بعبدا أو يُحمّل “الثنائي” مسؤولية إجهاض المسعى الرئاسي لمنع توسيع الحرب الإسرائيلية، حتى جاءت مواقف رئيس الجمهورية حول السلاح في مقابلة تلفزيونية وأمام السلك الدبلوماسي لتعيد نكئ الجراح وتجمد مكابح “الضاحية” على طريق “بعبدا السريع”.
لا تُشكِك قيادة “الثنائي” في المجالس الخاصة بمصداقية رئيس الجمهورية ولا بوطنيتة الناصعة وسعيه لإيجاد المخارج من المأزق، وتُدرك أن الرئاسة الأولى واقفة بين مطرقة الضغط الخارجي وسندان الواقع الداخلي.. وكما يعتبر رئيس المجلس أن العلاقة والتواصل خط أحمر مع بعبدا لتشكيل شبكة أمان وطنية تقي البلد شر الداخل وعواصف الخارج، يحرص الحزب على علاقة وطيدة برئيس الجمهورية وينأى بنفسه عن الحملة السياسية والإعلامية التي شنت على بعبدا وعمل المعنيون بالحزب وفق مصادر خاصة على ضبط منصات التواصل الاجتماعي ما استطاعوا إليه سبيلاً وعممت القيادة على مسؤولي الحزب عدم تناول مواقف الرئيس بما يتجاوز الحدود السياسية التقليدية، لكن يأخذ الحزب على الرئيس أنه قلبَ ظهر المُجن السياسي أي بدّل جدول الأولويات الوطنية الذي اتفق عليه في اجتماعات ما قبل انتخابه رئيساً بيوم وساعات ولطالما ردده في مواقفه طيلة أشهر: وقف الأعمال العدائية – الانسحاب الاسرائيلي وتثبيت الحدود- استعادة الأسرى إطلاق ورشة إعادة الإعمار واستراتيجية الأمن الوطني يبحث ضمنها تعزيز قدرات الجيش ومصير سلاح المقاومة ودوره.
في المقابل يُثني رئيس الجمهورية في مجالسه ولقاءاته الداخلية ومع الوفود الدبلوماسية على تعاون حزب الله مع الجيش والدولة اللبنانية في ملف حصرية السلاح جنوب نهر الليطاني، لكن مقاربة الرئيس تنطلق من أن الوقائع والظروف الإقليمية والدولية تفرض أن يكون لبنان أكثر واقعية ومن الحزب خطوات اضافية تُعزّز منطق الدولة وقدرتها على مقاومة الضغوط الخارجية والأطماع والشروط الاسرائيلية والإعتداءات المستمرة، وأن يترجم ذلك بمرونة في شمال الليطاني بوضع السلاح بتصرف الجيش طالما أن قيادة الحزب بعثت بأكثر من رسالة بعدم استخدامه.
مصادر الثنائي الشيعي تؤكد بأن المياه عادت إلى مجاريها على خطوط الحارة – بعبدا بعدما تجمدت لأيام عقب مواقف عون، وذلك عبر سلسلة لقاءات بين مستشار الرئيس العميد ديديه رحال ومعاون رئيس كتلة الوفاء للمقاومة النائب محمد رعد أحمد مهنا، لرأب الصدع وترطيب الأجواء تمهيداً لزيارة يقوم بها رعد الى بعبدا للقاء الرئيس عون، لكن حدثان أخرا الأمر وفق المعلومات: مواقف الأمين العام للحزب الشيخ نعيم قاسم بإحتمال التدخل بحال تم ضرب إيران واغتيال الإمام علي الخامنئي، وسفر الرئيس الى إسبانيا، لكن المطلعين يؤكدون أن الجهود ستستمر بعد عودة عون عبر سلسلة لقاءات تضيّق مساحة الإختلاف في موضوع السلاح، وقد تتوّج بزيارة رعد على رأس وفد الى بعبدا يكون لقاء مصارحة يؤسس لمرحلة جديدة.
ويلعب الرئيس بري وفق مطلعين دوراً محورياً في الحؤول دون قطع “حبل السّرة” بين الضاحية وبعبدا، وتدوير زوايا الإختلاف في ملف السلاح والمفاوضات مع إسرائيل (ضبط أداء ومواقف سيمون كرم وجم شطَط الوزير يوسف رجي)، ولهذه الغاية عاجل بري الموقف بزيارة الى بعبدا أثمرت تهدئة إعلامية واستقبالات ومواقف رئاسية داعمة للجنوبيين وحقوقهم وإقرار آلية إعادة الإعمار في الجلسة الأخيرة لمجلس الوزراء في بعبدا.
لن يتوقف النفخ في أنبوب المقاربات المختلفة على مثلث بعبدا – عين التينة – حارة حريك، لكن تؤكد المصادر وجود ضمانات تنزع صواعق التفجير الداخلي.
وإن كان إشعال فتيل الخلاف بين الحركة والحزب ليس وليد اليوم وفشل في السابق، غير أنه قد يملك فرصاً أكثر للتسلل عبر تظهير بعض التباينات بين خياري “اللبننة” والأقلمة”، لكن موقف الرئيس بري يُشكل ضمانة أساسية ورئيسية وهو القائل إن الحركة والحزب توّأمَا المقاومة، فيما صَهَرَ الأمين العام السابق للحزب السيد حسن نصرالله العلاقة ورفعها الى مرتبة الأخوة والمصيرية، والأهم أن بيئة المقاومة اليوم تجِد نفسها أمام مصير واحد وتهديد وجودي من أربع رياح الحدود والأرض، وهي لم تبارح الحرب يوماً منذ 27 تشرين.






