دبدوبة الفالنتاين
ريتا فريد
“كل ما حدا يحكي عن دبدوب الفالنتاين بيتطلّعوا فيّي”، تقولها وابتسامة خجولة تعلو وجهها. يضحك الموجودون. تضحك معهم، كأنها تسبقهم إلى السخرية من نفسها، فتخفّف وطأة النظرات قبل أن تثقل عليها.
بات الوزن الزائد هويةً ملاصقة لها. أحياناً بطاقة تعريف. وأحياناً أخرى يتحوّل إلى نكتة جاهزة في أيّ جلسة. حسّ الفكاهة الذي تتمتّع به بات درعها الأول. تضحك كثيراً، وتُضحك الآخرين. “أصلاً الكلّ بيقلّي إذا ضعفتي رح تبطّلي مهضومة”، تقول لنفسها في محاولةً إقناع: كأن خفّة الدم مشروطة بثقل الجسد.
المفارقة أنّها لا تعاني من سمنة مفرطة، ولا يحمل جسدها أرقاماً صادمة على الميزان. هي بضعة كيلوغرامات زائدة. لكن في عيون البعض، يكفي أن يخرج الجسد عن المقاس المثالي ليُختصر كلّه في تلك الزيادة الصغيرة.
تتذكّر زيارتها لطبيب. قصدته لاستشارة تتعلّق بمشكلة صحية مزمنة تعاني منها منذ سنوات. ما إن رآها حتى أعطى تشخيصه وحكمه المبرم: بلا فحص، بلا أسئلة، بلا تاريخ مرضي: “بدّك تضعفي”. أنهى الحديث قبل أن يبدأ. قبل أن يعرف شيئاً عن ألمها، عن تعبها، عن ليالٍ طويلة قضتها تحاول فهم ما يحدث. في تلك اللحظة شعرت أن جسدها يسبقها إلى الغرفة، ويتكّلم باسمها، ويختصرها كلّها في رقم على الميزان.
استدركت، أنا في زيارة لطبيب وليس لاختصاصي تغذية. قدّمت له الصور والتحاليل، ففهم أن المسألة لا علاقة لها بالوزن الزائد. تراجع قليلاً عن أحكامه المسبقة، وحاول الإصغاء. كان الإصغاء بحدّ ذاته فعل حبّ صغير. لكنها خرجت يومها وهي تتساءل: كم مرة علينا أن نثبت أن مشكلتنا ليست في شكلنا، بل في نظرة الآخرين إلينا؟
“أوعى تضعفي. أنا بحبّ الناصحين”، قالها يوماً شاب معجب بها. ابتسمت وسألته مازحة: “يعني لو ما كنت ناصحة ما كنت حبّيتني؟”. ضحك. ضحكت. لكن السؤال بقي معلّقاً في مكان ما داخلها. هل يُحبّها حقاً، أم يحبّ صورتها كما يراها هو؟ وهل الحبّ مشروط دائماً بشكلٍ ما، بوزنٍ ما، بمقاسٍ محدّد؟
هي تحبّ الطعام، نعم. تستمتع بالتشيبس، بالشوكولا، بقطع المارشميلو الملوّنة. أحياناً تعجز عن مقاومة الإغراء. لكن هل يجعلها ذلك مسؤولة عن كل الصور النمطية التي تلاحقها؟ هل تتحوّل كل لقمة إلى دليل إدانة؟ وكأنّ فرحها الصغير بالسكّر جريمة أخلاقية قد تجعلها مسؤولة عن المجاعة في بعض البلدان.
صوت صديقها في المدرسة ما زال يرنّ في أذنها: “أول مرة بشوف برميل أورانج”. يومها ضحكت، ولم تعتبر الأمر تنمّراً. ولم تعتبره يوماً كذلك. لم تغضب من أحد. تعوّدت أن تضحك.
في سنتها الجامعية الأولى، حين كانت تبحث عن عمل لتؤمّن مصروفها، رُفض طلبها في أحد المطاعم. همست لصديقتها ضاحكة: “يمكن خافوا ما يبقى ولا لقمة للزباين”.
قرأت كثيراً عن “التصالح مع الجسد”. لكن المسألة بالنسبة لها ليست حرباً بينها وبين نفسها. ليست معركة مرايا ولا صراع مقاسات. هي لا تكره جسدها كي تتصالح معه. هي فقط تريد أن يُنظر إليه بلا أحكام مسبقة. أن يُفصل بين صحتها وشكلها، بين شخصيتها ووزنها، بين قلبها ومحيط خصرها.
ربما المسألة في النهاية ليست مسألة وزن، ولا حمية، ولا مقاس. ربما هي فقط مسألة حب. كما يُفترض أن نحبّ الآخرين كما هم، على مساوئهم وأخطائهم واختلافهم، فلنحاول أن نحبّ أجسادنا كما هي. لا لأنها مثالية، بل لأنها بيتنا الأول. لأن هذا الجسد، بكل تفاصيله، حملنا عبر الخيبات والنجاحات، عبر الضحك والبكاء، عبر الحبّ نفسه.
في أسبوع عيد الحب، تمتلئ الواجهات بالدببة الحمراء والقلوب الكبيرة. يُقال إن الدبدوب رمز للدفء والحنان. “دبدوبة الفالنتاين”، وإن كانت كذلك، فلا بأس. الدببة صُنعت لتُحتضن.
هي ليست غاضبة من أحد. ما زالت تضحك على النكات نفسها، وربما تطلقها قبل الآخرين. وإذا كان لا بدّ من لقب الدبدوب، فليكن مرفقاً بوردة حمراء، وهدية صغيرة، وعلبة شوكولا أيضاً.





