من الزاوية القانونية ليس للحكومة سلطة على حاكم مصرف لبنان، وله حصانة كافية لحماية استقلاليّته، وليست مهمته تطبيق السياسة المالية للحكومة، فتلك مهمة وزارة المالية، بينما مهمة حاكم المصرف أن يضع مع المجلس المركزي لمصرف لبنان السياسة النقدية للدولة، آخذاً بالاعتبار الاحتياجات التمويلية الشرعية والمنصفة للخزينة، وللحكومة سلطة رقابية تمارسها بواسطة مفوّض الحكومة. وهذا معاكس لكلام رئيس الحكومة التفاؤلي بعد تعيين الحاكم الجديد كريم سعيد، لكن الحاكم لا يملك أن يتصرّف على هواه بأموال المودعين أو باحتياطي الذهب، ما يقول معارضو تعيين سعيد وعلى رأسهم رئيس الحكومة إنهم يخشونه ويقول مؤيّدو تعيين سعيد إنهم يخشون حدوثه لو تمّ تعيين أحد منافسيه، لأن أي حلول نقدية يضعها تطال هذين الخطين الأحمرين تحتاج إلى موافقة الحكومة، وخصوصاً مجلس النواب وصدور تشريعات لا تكفي صلاحيات حاكم المصرف المركزي لإصدارها بتعاميم. الحاكم تحت هذين المعيارين الكبيرين في الحفاظ على أموال المودعين واحتياطي الذهب إما أن ينجح أو يفشل بوضع خطة نقدية تُخرج لبنان من المأزق الذي دخله منذ تشرين 2019، وأي تجاوز لهذين المعيارين في حال حدوثه سوف يكون سياسة حكوميّة برلمانيّة تتحمّله السياسة وليس الحاكمية وحدها.

المتنافسون على منصب الحاكم متساوون في عجزهم عن تجاوز هذين المعيارين، ما دامت الحكومة وما دام النواب ملتزمين بالحفاظ عليهما، ومتساوون في أن كفاءاتهم تنحصر بالقدرة على العمل بين هذين الحدّين لابتكار حلول نقدية، أهمها كيفية تمويل الخزينة دون طباعة المزيد من الأموال، بعدما نجح اللبنانيّون بقوة الأموال التي يحولها أبناؤهم من خارج لبنان وبقوة تخفيض فاتورة الاستهلاك بالتأقلم الذي تحدّث عنه صندوق النقد الدولي مراراً، وهو ما يعود له الفضل في ثبات سعر الصرف. والمتنافسون على المنصب متساوون أيضاً في نيل بركة الرضا الأميركي والخليجي، ومَن تمّ استبعاده ومَن تمّ تعيينه حصل على الموافقات اللازمة لوضع اسمه على الطاولة، وهم متساوون أيضاً في وقوف تكتلات مصرفية تدعم ترشيحهم، وتقاذف تهمة “البنكرجية” بينهم ذرّ للرماد في العيون. فالكل بنكرجية بنسبة معينة، والكل أميركيّ وخليجيّ بنسبة أيضاً.

معركة تعيين حاكم مصرف لبنان كانت بين النظام والمنظومة. والنظام هو تكتل يضم القوى التي تملك جذوراً عميقة في المجتمع السياسي اللبناني. والنظام هنا يبدأ برئيس الجمهورية الذي يمثل إضافة إلى حجم التأييد الذي يحظى به في طائفته وهو حجم غير قليل، يضاف إليه موقع مؤسسة الجيش كمؤسسة محوريّة في النظام، رغم كونها أنقى ما فيه وأبعد مؤسساته عن الطائفيّة، وأكثرها التصاقاً بالقضية الوطنية، لكنها تبقى مؤسسة مركزيّة في النظام، وإلى جانبها، في النظام تكتلات نيابية وحزبية وطوائف. والذين صوّتوا لصالح الحاكم سعيد، هم إضافة الى وزراء اختارهم رئيس الجمهورية، وزراء يمثلون أطراف النظام المتصارعة، وقد توحّدت دفاعاً عن النظام، فاجتمع وزراء القوات اللبنانية والكتائب والحزب التقدّمي الاشتراكي وثنائي أمل وحزب الله، حول مرشح رئيس الجمهورية، كمرشح للنظام، حيث الرئيس له الأفضليّة في تسمية المرشح المعتمد لمناصب الفئة الأولى من طائفته، والاصطفاف ضمانة لتثبيت حقوق موازية في أحوال الطوائف التي صوّتت مع الرئيس، وخصوصاً ثنائي أمل وحزب الله، وليس للأمر علاقة بتمييز المرشح عن سواه.

المنظومة هي تشكيل جديد ولد تحت عنوان التغيير أنجب نواباً وقفوا بقوة لتسمية رئيس الحكومة نواف سلام، وشاركوه كمجموعات منظّمة ومموّلة من الخارج وعلى رأسهم جمعية كلنا إرادة، في تسمية الوزراء الذين صوّتوا مع رئيس الحكومة ضد تسمية سلام. وهي منظومة سياسية وجدت في تسمية رئيس الحكومة فرصة للتصرف كحزب حاكم، لا يختلف في كثير من العناوين الرئيسيّة عن مضمون خطاب القَسَم، لكنه يختلف بالسعي لسرعة وضعها موضع التنفيذ لجهة الانتقال بلبنان إلى مرحلة وصفها رئيس الحكومة بنهاية زمن سلاح حزب الله، الذي قال رئيس الجمهورية إن البحث به ليس راهناً، وإن طريق بحثه يمر عبر حوار وطني لوضع استراتيجية دفاعية، وإن الأولوية هي للضغط من أجل التزام الاحتلال باتفاق وقف إطلاق النار والقرار 1701، بعدما التزم حزب الله بموجباته فيهما. ويتحدث رموز المنظومة بوضوح أكثر من رئيس الحكومة عن خلاف أولويات مع رئيس الجمهورية، لكن المعركة مع رئيس الجمهورية ليست على هذه الأولويات، بل على النظام، الذي تعتبره المنظومة قيداً على إمساكها دفة الحكم، وقد وقعت فرصة رئاسة سلام في حضنها. والمنظومة لم تخض معركة تعيين الحاكم لمضمون وظيفة الحاكم وصفاته ذاتهما، بقدر اهتمامها بالإمساك بمفصل هام من مفاصل الدولة من جهة، وتوجيه ضربة للنظام من جهة موازية.

حصيلة التصويت جاءت انتصاراً للنظام على المنظومة، لأن النظام قويّ ومتجذّر ويمثل قوى شعبية حقيقية والمنظومة هامشية في وزنها الاجتماعي والسياسي، وللنظام تقاليد عريقة سمحت باجتماع الأضداد السياسيّين للانتصار له وقواعده، حتى لو اضطرت لتسجيل سابقة تصويت الحكومة ضد رئيسها، في تسمية منصب هام وحساس كمنصب حاكم مصرف لبنان، وهو ما يقول إن في لبنان القضايا لها معايير وحسابات تتجاوز اصطفافات يظنها كثيرون حاكمة، ولا يلبث لبنان أن يذكّرهم بأنه بلد العجائب، فيفرّق صفوف المنسجمين مع الطروحات الأميركية ضد المقاومة، ويجمع صفوف المختلفين حول الطروحات الأميركية ضد المقاومة. هذا هو لبنان ورسالته للمنظومة لا تستعجلوا بالتفاؤل بوجود فرص للعبث بتوازنات راسخة بين الطوائف وعلاقاتها، حيث يتقدّم فيها الطائفي على السياسي، وانتبهوا أن المقاومة التي يمثل الثنائي إطارها السياسي تقف خلفها طائفة لبنانية كبرى لا يمكن تجاوزها أو تجاهلها ولا تهميشها.

قد يعجبك أيضًا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *