نمر أبي ديب

بعيدًا عن سياسة الاحتواء الفاقدة “للانتاج الردعي” ، يعيش العالم بـ مجمل “دوله النووية”، مرحلة تجديد النظرة الاحتوائية للمفهوم النووي العسكري، إنطلاقًا من متغيِّرات أسَّست في ماوراء المشهد لـ معادلات ميدانية جديدة، حبكت متدرّجاتها الأمنية والعسكرية خبايا “تكنولوجيا ملغومة”، سيطرت بشكل كامل على ما يعرف بعصر وزمن الرفاهية المموّهة بقرار عالمي فاقد الأدنى معايير “السلامة البشرية” ، وتلك معادلة عابرة في بعديها المدني والعسكري، للرقابة الردعية الّتي غاب عنها بشكل كامل الملف النووي الاسرائيلي.

ما تقدّم فتح باب المناورة النووية على مصراعيه، في تطوّر عالمي استثنائي، فرضت “معاييره النووية” غير المنضبطة، استنسابية التعاطي الأميركي والاعتراف الاستراتيجي، بـ”متدرجات الدور الاوروبي، ومركزيته الشرق أوسطية”، النقطة الفصل، في مسار ومسيرة التوصية الفرنسية ذات النفس النووي العميق، القابل للتجديد السياسي وأيضًا للارتجال في منتديات الصراع الوجودي ومحطاته المستقبلية، فقد شكلت التوصية الفرنسية الّتي طلب من خلالها الرئيس إيمانويل ماكرون، زيادة المخزون النووي، دون التصريح، أو حتى الكشف، عن العدد الاجمالي الّتي تصل إليه ترسانة فرنسا النووية). سابقة أوروبية، جمعت ما بين “الصحوة النووية والاستنهاض العسكري”، إذ يمثّل ما تقدّم على مسرح المتغيّرات الدولية فاتحة فرنسية لزمن نووي أوروبي جديد.

في سياق متصل، وضعت مرافق ومتدرجات الخطاب التصعيدي، المنبثق من دول التحكم بـ مسار ومصير العالم “الضابطة النووية”، بمجمل تشكيلاتها الدولية على طاولات التعديل الاستراتيجي إنطلاقًا من حقائق سياسية عسكرية وحتى جغرافية، سمحت في تشكيل منطلقات جديدة، رسمت بـ خطوطها الميدانية جملة المتغيّرات الاستراتيجية، يضاف إلى ما تقدم علاماتها الفارقة، السياسية والعسكرية، على صفحات الخارطة الجديدة، القائمة بدورها على موازين قوى متجددة أسست بها ومن خلالها الولايات المتحدة الاميركية، قواعد وأسس، ومنطلقات، النظام العالمي المتمثّل بـ معادلة “الآحادية القطبية”.

السؤال الطبيعي الذي فرض نفسه واقعًا استثنائيًا في هذه المرحلة، تمحور حول معادلة : من الاقرب إلى النضوج الدولي والتبلور، بقاء الضابطة النووية، أم سقوطها على مسرح الحاجة الدولية، كما التشكيلات العسكرية “للنظام العالمي الجديد” ، إذ يُرجّح سقوط أعمدة ضخمة، لا بل تشكيلات أساسية، على مساره التطبيقي، في مقدمة تلك التشكيلات الأمم المتحدة الّتي تم الاستعاضة أميركيًا، عن شرعيتها الدولية، في مواقف وحروب أساسية، في مقدمتها “حرب الخليج الثانية” .

مما لا شك فيه، أن ما بعد 5 فبراير 2026 ليس كما قبله، تاريخ انتهاء معاهدة نيو ستارت New Start “للحد من الأسلحة النووية”، بين “الولايات المتحدة الاميركية وروسيا الاتحادية”، إذ يأتي إنتهاء المعاهدة من وجهة نظر الولايات المتحدة الاميركية في مرحلة مفصلية تخطت في متدرجاتها الوجودية الاسباب كما المسببات الّتي قامت بها وعليها معاهدة (نيو ستارت New Start)، فقد أكّد وزير خارجية أميركا “ماركو روبيو” على انتهاء العمل بـ معاهدة “ستارت”، مضيفًا المعاهدة لم تحقق الغرض منها فهي عُقِدَت في زمن مختلف لمواجهة تحديات مختلفة…)

في سياق متّصل الدخول العالمي مرحلة ما بعد نيو ستارت انتقال “للضابطة النووية”، من مراحل احكام السيطرة، إلى مراحل استثنائية، ذات طبيعة وأهداف وجودية ساهمت في وضع الدول الكبرى ونخص في الذكر الولايات المتحدة الاميركية، روسيا الاتحادية، مع الصين الشعبية، على مسار فوضى نووية، يتخللها سباق تسلّح استراتيجي، ترسم من خلاله دول الثقل النووي موازين وهندسات النظام العالمي الجديد.
في السياق ذاته، سطرت “الضابطة السياسية” مواقف وتصريحات أكّد من خلالها وزير خارجية أميركا “ماركو روبيو” (أن أي اتفاق بشأن الحد من انتشار السلاح النووي مع روسيا يجب أن يشمل الصين نظرًا لمخزونها الواسع وصناعاتها المتزايدة)، ما يؤكد أن أحد أبرز أولويات الإدارة الاميركية اليوم، يتمثل في” تقويض حركة الصين” ، المنافس الأوّل للولايات المتحدة الأميركية في هذه المرحلة .

السؤال هل دخلت “الولايات المتحدة الاميركية”، مع القوى الدولية مجتمعة مرحلة نووية بلا قيود، تتمثّل بعاملين: الأوّل يشتمل ويضم تراكم استراتيجي غير معلن أو حتى مصرَّح به، لحجم “الترسانة النووية” في الدول المعنية بـ ضبط وحصر الانتشار النووي ؟ ثانيًا يتناول في بعده الأوّل “الخضوع العالمي” القائم على معادلة سلاح نووي غير معلن، أو مصرّح به، ذات وظيفة عالمية أحد ابرز اهدافها الاستراتيجية ضمان استمرار الآحادية، المتمثلة اليوم بـ الولايات المتحدة الاميركية.
المعادلة الثانية تتمثّل بـ استثنائية الضمانة الوجودية الّتي يوفرها “فائض القوة النووية”،تحديدًا فيما يخص قيام وبناء النظام العالمي الجديد، الّذي تعمل على بلورته، وأيضًا تثبيته دول عدة في مقدمتها “روسيا الاتحادية والصين الشعبية” .

ما تقدّم، يعكس من زوايا مختلفة الحاجة “البشرية” لتفعيل الضابطة النووية ضمن معاهدة جديدة تلحظ على وجه التحديدالصناعة الاسرائيلية الغائبة الدائمة عن أي رقابة دولية… يعكس صدام المحاور العالمية، وأيضًا حاجة الدول الكبرى إلى اظهار حجم ومستوى التفوّق النووي لتثبيت بيئة ردع استراتيجية تعيد من خلالها القوى الكبرى العزف على وترين : الأوّل يراد من خلاله تثبيت معادلة “الآحادية القطبية”، إلى أجل غير مسمى وهذا مطلب أميركي بإمتياز، لا بل مسار استراتيجي، تربعت من خلاله “الولايات المتحدة” وما زالت على العرش العالمي… ثانيًا الاستثمار السياسي لدول الطموح، الصين الشعبية وروسيا الاتحادية، في أبعاد ونتائج “التفوّق النووي” وتلك مقدمة استراتيجة تدفع في اتجاهات مختلفة أبرزها : قيام ما بات يعرف بـ”النظام العالمي الجديد” ، المتعدد الأقطاب ، والمرجعيات المالية…

ما تقدّم وضع الضابطة النووية على مقصلة المصالح الدولية، لدول لم تتردد في استعمال سلاحها النووي أو زيادة ترسانتها الفتاكة، على قاعدة احكام السيطرة والتمكّن العسكري النوعي والاستراتيجي…
ما تقدّم أكّد على أن “الضابطة النووية” حلقة مفقودة في مراحل الصياغة العسكرية الجديدة، لنظام عالمي سيطرت عليه طبيعة الحروب المدمّرة، وسط غياب كامل لمزايا انسانية لم تعد متوفرة أو حتى موجودة، أكّد على مركزية الاشتباك العالمي وأيضًا على دخول قوى كبرى “ساحات اشتباك ساخنة” ، لا تحتمل فيها النتيجة فكرة الهزيمة…
ما بين عالمية الصحوة النووية والاستنهاض العسكري مفارقات دولية حاسمة وتطورات سريعة متلاحقة من شأنها وضع القوى العالمية” المنهزمة” أمام خيارين : التكيّف والتسليم بأمر واقع عالمي، يحاكي في حده الأدنى سقوط كامل “للآحادية القطبية”… أو العمل بمفاعيل الانهزام القاتل، ما يعني مزيدًا من الانغماس والعبث بـ روزنامة المحرّمات النووية…

قد يعجبك أيضًا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *