روزانا رمّال

واحدٌ من أكثر الاقتراحات المُدهشة حاليًا هو طرحُ التمديد لمجلس النواب في لبنان، وهو تقنيًا عملية تأجيل للانتخابات حتى إشعارٍ آخر، في بلدٍ رُفعت فيه سابقًا الشعارات الإنقاذية تحت عنوان التخلّص من ذيول العهود السابقة وكل ما له علاقة بالممارسات التابعة للوصاية السورية التي أمعنت في ضرب الدستور. وكان أشهرها التمديد لعهد الرئيس إميل لحود، ومن ثم خوض تجربة التمديد لمجلس النواب بعد الانسحاب السوري لمرتين أساسيتين بعد عام 2009.

فقد مُدِّدت الولاية 17 شهرًا بسبب الخلاف على قانون الانتخابات والوضع الأمني، حيث كانت الحرب على الإرهاب في سوريا في أوجها، وقد امتدت ذيولها إلى لبنان عبر تفجيرات وأحداث كبرى. أما التمديد الثاني فقد حصل في 5 تشرين الثاني 2014 لمدة سنتين و7 أشهر أيضًا لأسباب سياسية وأمنية، ليتمّ التمديد فعليًا نحو 8 سنوات لمجلس النواب.

هذا التذكير يؤكّد أن المسألة ليست غريبة عن لبنان، ولا عن المجتمع الدولي في التعاطي معه انتخابيًا أو بما يتعلق بالاستحقاقات الدستورية. فإمكانية تخطّي الاستحقاقات موجودة ولا تشكّل حرجًا عندما تتفق القوى المحلية، التابعةُ بعضها لرغبات جهات خارجية. إلا أن اللافت أن أغلب الظن كان أن الزمن تغيّر، وأن عقارب الساعة لن تعود إلى الوراء.

وبالعودة إلى عهد الرئيس ميشال عون، حيث حصلت الانتخابات مرتين (دورتا 2018 و2022) قبل نهاية ولايته بخمسة أشهر، فإن النتائج شرحت نفسها حينها، وكذلك التموضعات السياسية والتعاطي الخارجي مع لبنان الذي كان شبه معزول عن محيطه العربي والأوروبي. وقد تعلّق الأمر بشكل الحكم آنذاك، إذ أُطلقت تسمية “أكثرية قاسم سليماني” على مجلس النواب الذي كان يتمتع بأكثرية تؤيد حزب الله. الأمر الذي دفع المجتمع الدولي إلى الضغط بقوة لإتمام الاستحقاق في موعده وقلب المشهد برمّته، وهو ما ترافق مع ثورة شعبية قلبت المشهد وأخرجت منه لاعبين كبار، أولهم تيار المستقبل.

أما ثاني العناصر المتغيّرة فكان خسارة حزب الله وحلفائه الأكثرية النيابية، وهو ما شكّل المجلس النيابي الحالي الذي أرسى توازنًا جديدًا في اللعبة السياسية، وجعل الحساب “على القطعة” في كل استحقاق، الأمر الذي لا يمكن التكهن بنتائجه في حال جرت الانتخابات. وهنا لا بدّ من شرح أسباب اقتراح بعض سفراء “الخماسية” تأجيل الانتخابات بهذا الشكل المفاجئ.

أولًا: أربكت عودة رئيس تيار المستقبل سعد الحريري المشهد الانتخابي العام، خصوصًا أنه أول الجهات التي خرجت من المشهد بعد الثورة. وقد فقد الشارع السني “المركزية” الزعاماتية لصالح أفراد وشخصيات. وإذا ما جرت الانتخابات، فمن الواضح أن نية إجراء تحالفات واسعة لتيار المستقبل مع مجمل القوى ستأخذ مكانها، بما قد يغيّر المشهد السياسي بحد ذاته. وفي هذا الإطار، طالما أن المملكة العربية السعودية لا تبارك هذه العودة، فإن التعقيدات ستزداد.

ثانيًا: إن أهم الملفات الموكلة إلى “الخماسية” هي الملف الأمني والحدودي وكل ما يتعلق بتداعيات الحرب وتطبيق القرار 1701. وبالتالي فإن إجراء الانتخابات يعني تغييرًا حكوميًا قد لا يعيد الرئيس نواف سلام إلى رئاسة الوزراء. وهذه الحكومة تحظى بدعم دولي استثنائي وغير مسبوق مقارنة بحكومات ما بعد الثورة (دياب – ميقاتي). لذلك فإن التنسيق بين الحكومة الحالية والخماسية وقيادة الجيش في ما يتعلق بحصرية السلاح يُعدّ سلسلة متصلة لا ينبغي قطعها.

ثالثًا: عدم معرفة حجم وقدرات حزب الله في شارعه الانتخابي، وعدم اليقين من إمكانية تحقيق خروقات داخل صفوفه، يجعل التمهّل خيارًا أفضل. وذلك في ظلّ ضغطٍ على بيئة “الثنائي” التي تعاني من مجهول مرتبط بإعادة الإعمار والحصول على وقف شامل لإطلاق النار، فيما تعلو أصوات محلية للضغط على حزب الله لتسليم سلاحه باعتباره أصبح عبئًا على بيئته ويستجلب لها آلة القتل الإسرائيلية. وبالتالي فإن الرهان على إضعافه عبر الضغط على بيئته يبقى خيارًا مطروحًا بقوة.

وعلى هذا الأساس، فإن الاتكال على “تخريجة” محلية بذريعة انتخابات الاغتراب حاضر لتبرير التأجيل. وإذا كان الحديث عن التمديد قد بدأ همسًا، فقد أصبح علنيًا بعد إعلان رئيس مجلس النواب نبيه بري عن المطالب الخارجية جهارًا.

وفي هذا الإطار، أكّد مصدر سياسي رفيع “للمقال” أنه لا يوجد أي دفع خارجي باتجاه إجراء الانتخابات كما جرى سابقًا، مضيفًا أن الاهتمام الدولي بالانتخابات النيابية اللبنانية “مفقود أو شبه معدوم”. ويُترجم ذلك في شحّ التمويل واعتماد الأحزاب على مخارج محلية تحسّبًا لإجراء الاستحقاق في أي لحظة.

وسط كل هذا الارتباك، يبقى السؤال حول قدرة تحمّل تخطّي الدستور والاستحقاق في زمنٍ يُفترض أنه إصلاحي، هو التحدّي الأكبر. فهل يستطيع العهد، المتمثّل بالرئيسين عون وسلام، تحمّل هذا الضغط؟ وكيف يمكن ابتكار تخريجة تُرضي الخارج بأيدٍ محلية لا تخدش الحياء العام المرتبط بالاستقلال والسيادة؟ وحده الحسم في ملف انتخاب الاغتراب قد يفسّر التأخير والعرقلة، وربما يكشف ما كان يُحضَّر حتى اللحظة

قد يعجبك أيضًا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *