«السلام القائم على القوة» في النظام العالمي الجديد
نمر أبي ديب
أعلنها الرئيس الأميركي دونالد ترامب: «مبدئي السلام القائم على القوة». عبارة اختصرت المشهد، وأوضحت من زوايا مختلفة مفهوم الولايات المتحدة الأميركية للسلام. وتلك نقطة فصل دولية ساهمت في حصول التباسات كبرى، شكّلت على منبر المداولات الدولية حقيقة سياسية انقسمت حولها القراءة العالمية للموقف الخارجي الأميركي… ما
قد يبرّر، على مسرح التعاطي الدولي، وجود أكثر من تفسير، أو حتى مقاربة، للخطاب الأميركي. فقد أكّدت عبارة الرئيس ترامب السياق الواضح لـ«النظرة الأميركية» إلى حقيقة مفهوم «أميركا دونالد ترامب» للسلام، الذي تخطّى بتفاصيله الظاهرة، عوامل أساسية ذات ركائز أرست، في مراحل وحقبات سابقة، «ثقافة مختلفة» وأطرًا ناظمة مغايرة للنظرة الحالية، التي ابتعدت شكلًا وجوهرًا عن «السلام العادل» القائم في الفكرة والطرح والتنفيذ.
السلام الّذي لم يكتمل على موازين قوى عالمية ومنطلقات تضمن في حدّه الأدنى، حق الشعوب بـ«السلام العالمي» القائم على مُثُل وقيم اجتماعية وأخرى إنسانية، لا على مبدأ الرضوخ للقوة الخارجية، أو لأمر واقع سياسي، أو حتى عسكري أو جغرافي، تفرضه متدرّجات القوة النافذة بأحكامها الميدانية غير المنصفة. والتجارب الدولية غنية بأمثلة واقعية، مبيّنة لجملة حقائق أكّدت وجود التباسات بَحَث من خلالها العالم «منطق السلام» حيث قادت الصياغة الدولية نفسها إلى «استعمار» من نوع آخر، فقدت بموجبه الدول المعنية مقدّراتها الوجودية، وكذلك ثرواتها الطبيعية.
إن السلام الذي لا يضمن سلامة الشعوب، ولا يحفظ مقدّرات القوة التي تملكها الدول الموقّعة، هو بمثابة وثيقة انهزام كامل فُرضت بـ«قوة المنتصر»، لا بأحكام دولية، ومقدّرات حقوقية تكفلها المواثيق الدولية النافذة.
السلام الذي لا تملك فيه الشعوب المعنية إمكانية تقرير المصير هو بمثابة استباحة مشرّعة أمميًا ودوليًا، فرضتها عوامل عديدة، من بينها غياب الممانعة، يُضاف إلى ذلك تراجع جبهات الرفض الداخلية والخارجية. وهنا بيت القصيد، ومكمن الحقيقة الاستراتيجية التي يريد «الرئيس الأميركي» تمريرها على أكثر من مستوى: سياسي وعسكري وأمني، وبأقل تكلفة ممكنة، من خلال ما بات يُعرف بمعادلة «السلام القائم على القوة».
ما يجري اليوم على الساحة الإيرانية تحوّل عسكري ذو أبعاد وأهداف رقمية؛ وتعذّر تحقيقها يقود إلى ما بعدها. بمعنى أن تعذّر إسقاط النظام في إيران يقود إلى تطويعه، وتلك حقيقة نافذة، بالرغم من كونها بعيدة، ومؤسِّسة من وجهة النظر الأميركية، لمخارج ميدانية تضمن، على المستوى السياسي، القدرة على إعلان «السلام القائم على القوة».
بغضّ النظر عن صوابية القراءة الأميركية للمشهد الإيراني، تتخطّى معادلة الرئيس ترامب «السلام القائم على القوة» والجغرافيا، بما فيها الامتداد الإيراني (الأذرع)، إذ تلامس من نواحٍ عديدة، التمرّد الدولي، وبصورة خاصة أوروبا، وتحديدًا حلف شمال الأطلسي (الناتو)، الذي رفض الانزلاق، والدخول العسكري في متاهات الحرب المائية في مضيق هرمز، وما وراءها من متدرّجات وتطوّرات عسكرية تشمل المسالك البحرية الأخرى، وفي مقدمتها المعادلة اليمنية (باب المندب – البحر الأحمر).
ما تقدّم يفتح باب الاجتهاد والانتقال الاستراتيجي في التحليل إلى نواحٍ مختلفة، تتماهى، بشكل أو بآخر، مع مفهوم «الولايات المتحدة الأميركية» للسلام، إذ يشكّل الموقف الأميركي الجديد مقدّمة استثنائية لعالم جديد تحكمه، بمنطق القوة، الولايات المتحدة الأميركية.
في السياق ذاته، ومن منظور الولايات المتحدة نفسها، يقف القسم الثاني من العالم (الصين الشعبية، روسيا الاتحادية، كوريا الشمالية، وغيرها من الدول الرافضة لسياسة أميركا الخارجية) على تماس استراتيجي مع عودة أميركية إلى زمن الأحادية الحاكمة في الأمنين السياسي والعسكري. إذ تتطلّب عملية تمرير «السلام القائم على القوة» رضوخًا عالميًا لأمر واقع أميركي، لا يلحظ، على مستوى المكاسب الكبرى، شراكة خارجية خارج إطار «إسرائيل»، التي تمثّل، على مستوى «سلام القوة»، جزءًا شرق أوسطيًا لا يتجزّأ من مشروع القوة العالمي، الذي تديره الولايات المتحدة الأميركية.
مما لا شك فيه أن الانتشار الأميركي جزء لا يتجزأ من نظرية الرئيس ترامب «السلام القائم على القوة». وهذا الانتشار، يشمل على وجه التحديد القواعد الأميركية في دول الخليج، كما في العالم. وقد أثبتت «حرب إيران الثانية» فشل القوة الأميركية في حمايتها، أي حماية قواعدها، والسؤال: هل ينجح «السلام القائم على القوة» في إحداث متغيّر استراتيجي ينهي، في حدّه الأدنى، مفاعيل الانكشاف الأمني/العسكري الذي سيطر بشكل كامل على مجمل القواعد الأميركية ذات الانتشار الأمني والعسكري في المنطقة؟
تعي الإدارة الأميركية جيدًا حجم «التكلفة العسكرية» والاقتصادية التي يتطلبها فرض «السلام القائم على القوة». كما تعي استحالة تمرير ما يشبه مشهد «فنزويلا» في دول الخلاف، وتحديدًا إيران. فقد أكّدت التجارب الميدانية الأخيرة أن السلام العادل «حق»، وهو بمثابة فكرة لم تعد مطروحة في أزمنة باتت فيها القوة مسألة تصاعدية، تنذر بمراحل قادمة تحكمها مواجهات وجودية كبرى، هدفها فرض منطق القوة وزرع بذور «السلام المتحوّر»، القائم، بالمفهوم الأميركي، على «قوة القوة» وسياسات الاحتواء.





